أبي حيان الأندلسي

100

البحر المحيط في التفسير

بمحذوف ، فيكون حالا ، والتقدير : كلوا حلالا مما في الأرض . فلما قدمت الصفة صارت حالا ، فتعلقت بمحذوف ، كما كانت صفة تتعلق بمحذوف . وقال ابن عطية : مقصد الكلام لا يعطي أن تكون حلالا مفعولا بكلوا ، تأمل . انتهى . طيبا : انتصب صفة لقوله : حلالا ، إما مؤكدة لأن معناه ومعنى حلالا واحد ، وهو قول مالك وغيره ، وإما مخصصة لأن معناه مغاير لمعنى الحلال وهو المستلذ ، وهو قول الشافعي وغيره . ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث . وقيل : انتصب طيبا على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي أكلا طيبا ، وهو خلاف الظاهر . وقال ابن عطية : ويصح أن يكون طيبا حالا من الضمير في كلوا تقديره : مستطيبين ، وهذا فاسد في اللفظ والمعنى . أما اللفظ فلأن طيبا اسم فاعل وليس بمطابق للضمير ، لأن الضمير جمع ، وطيب مفرد ، وليس طيب بمصدر ، فيقال : لا يلزم المطابقة . وأما المعنى : فلأن طيبا مغاير لمعنى مستطيبين ، لأن الطيب من صفات المأكول ، والمستطيب من صفات الآكل . تقول : طاب لزيد الطعام ، ولا تقول : طاب زيد الطعام ، في معنى استطابه . وقال الزمخشري في قوله طيبا : طاهرا من كل شبهة . وقال السجاوندي : حلالا مطلق الشرع ، طيبا مستلذ الطبع . وقال في المنتخب ما ملخصه : الحلال : الذي انحلت عنه عقدة الخطر ، إما لكونه حراما لجنسه كالميتة ، وإما لا لجنسه كملك الغير ، إذ لم يأذن في أكله . والطيب لغة الطاهر ، والحلال يوصف بأنه طيب ، كما أن الحرام يوصف بأنه خبيث ، والأصل في الطيب ما يستلذ ، ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه النفس ، والحرام لا يستلذ ، لأن الشرع منع منه . انتهى . والثابت في اللغة : أن الطيب هو الطاهر من الدنس . قال : والطيبون معاقد الأزر وقال آخر ولي الأصل الذي في مثله * يصلح الآبر زرع المؤتبر طيبوا الباءة سهل ولهم * سبل إن شئت في وحش وعر وقال الحسن : الحلال الطيب : هو ما لا يسأل عنه يوم القيامة . وقال ابن عباس : الحلال الذي لا تبعة فيه في الدنيا ولا وبال في الآخرة . وقيل : الحلال ما يجوزه المفتي ، والطيب ما يشهد له القلب بالحل . وقد استدل من قال بأن الأصل في الأشياء الحظر بهذه الآية ، لأن الأشياء ملك اللّه تعالى ، فلا بد من إذنه فيما يتناول منها ، وما عدا ما لم يأذن فيه